المدن العتيقة

قصبة أكادير أوفلا التاريخية بمدينة أكادير

تعتبر قصبة أكادير أوفلا التاريخية بمدينة أكادير شاهدة على نشأة المدينة وتطورها العمراني ، حيث لعبت دوراً محورياً في تحويل المدينة إلى قطب تجاري مزدهر ، يربط بين المسارات البحرية والقارية التي كانت تربط السودان الغربي وأوروبا وكذا الشرق عبر المغرب. حيث تردد عليها تجار قادمون من إسبانيا وفرنسا وهولاندا ،  كما كان ميناؤها بعد استرجاعه من قبل السعدين أواسط القرن 16م مركزا لتصدير سكر وادي سوس، ولوز وجلود الأطلس الصغير، وذهب السودان في اتجاه أوربا ومبادلتها بالسلع الأوروبية.

يرتبط تاريخ أكادير بالمواجهة بين الإمبراطوريات الكبرى التي سعت إلى الجمع بين الاستحواذ على الثروات القارية لغرب الصحراء وبين التحكم في التجارة الأطلسية الضخمة. ويرجح أن تكون بداية تاريخ أكادير المعلوم هي سنة 1505م (الموافق لعام 911 للهجرة)، حين تلقى خوان لويبز دي سيكيرا دعما من ملك البرتغال، مانويل الأول، لكي يقوم ببناء حصن على نفقته.

 وقد أدت هذه المنشأة البرتغالية، التي سميت ” سانتا كروز دو كابو دوغي داغوا دوناربا”، إلى اندلاع مقاومة واسعة النطاق بقيادة شريف درعة، أبو عبد الله القائم، أحد مؤسسي الدولة السعدية، الذي هاجم سانتا كروز بداية من غشت 1511م (916 هجرية).

عند زيارة قصبة أكادير أوفلا التاريخية ، ستشاهد مجموعة من المعالم و الشواهد التي تجمع بين عراقة التاريخ و جمالية المشهد الطبيعي :

باب قصبة أكادير أوفلا التاريخية

إلتقطت لباب القصبة صور كثيرة منذ أوائل القرن العشرين ، فهو مائل في العديد من البطاقات البريدية قبل أن يتعرض للتدمير بفعل زلزال سنة 1960م . و قد مكن ضم الكليشيهات المتعددة إلى الخرائط القديمة المنجزة سنة 1935م ، من تخطيط يسمح بإستعادة وضعه السابق بأمانة بالإعتماد على الدراسة الأركيولوجية للتحولات التي طرأت على مبناه ، فالباب الأمامي للقصبة كما أعيد بناؤه بعد زلزال 1960م ، يدعونا إلى القيام برحلة في الزمن تمكننا من الإستئناس بالموقع و الترحم على الضحايا .

و قد حافظ الجزء السفلي على معالم الأقواس السعدية ، في حين يذكرنا الجزء الفوقي منه بالطابع المعماري العلوي المتمثل في الفرجات التي تميز قصبات عهد الدولة العلوية .

لغز الرخامة

تشير الرخامة المؤرخة بسنة 1746م ، قبيل حكم السلطان محمد بن عبد الله إلى أن مرسى أكادير كان معروفا برواجه التجاري مع الأوروبيين و خاصة منهم الذين كانوا يتاجرون بهذا المركز .
وقد علقت على باب القصبة رخامة بيضاء إبتداء من القرن 18م تتضمن نقشا كتب بالهولندية : ” إخش الله ، و عظم ملكك “
و في مقابله نقش نحث برسم عربي جاء فيه : الحمد لله على خاطر سيدنا المنصور بالله
و تضمنت الرخامة أيضا شعار “شركة الهند الشرقية ” ( مملكة هولندا ) .
و قد تمت إزالة الرخامة خلال المرحلة الاركيولوجية بسبب حالة التفتت التي لحقت السور الحامل لها . و بعد التقاط صور لها بتقنية التصوير بالابعاد الثلاثية ، بغية المحافظة عليها ، أعيدت إلى مكانها فوق الباب المرمم ، و هو موضعها الاصلي .

منصة مدافع الباب الرئيسي

كانت قصبة أكادير أوفلا تتوفر على ما يقارب إثنا عشر مدفعا تناسب الحاجيات الدفاعية و الموزعة على مختلف أبراج القصبة و على السفوح التي وجب الدفاع عنها ، بما في ذلك منصة المدافع الدائرية الشكل .
كانت هذه المدافع تستعمل للدفاع عن القصبة من جهة الجبال و المرسى و من جهة المحيط الاطلسي ، مثلما كانت تضطلع بمهمة مراقبة المسالك و طرق العبور و باب القصبة .
أحجام المدافع كانت متباينة حسب العصر الذي تنتمي إليه . بعضها برتغالي الأصل يعود إلى القرن السادس عشر ، و أخرى أحدث منها . و أثناء التنقيب الأركيولوجي ، عثر على قذائف من أحجام و عصور مختلفة .

المسجد و الزاوية التجانية

كانت قصبة أكادير أفلا تضم مسجدا للعبادة يتولى مهمة تعليم الأطفال مبادئ الدين و اللغة العربية . دمر المسجد للمرة الأولى في عام 1913م بقصف من السفينة الفرنسية . و تم ترميمه لاحقا قبل أن تسقط مرة أخرى خلال زلزال عام 1960 . مكنت التنقيبات الأثرية من العثور على ” محراب ” ، و هو مكان يشير إلى القبلة ، ومنبر ” للخطبة صنع من الخشب ، بالإضافة إلى مبنى ملحق مخصص للوضوء .
بمحاذاة المسجد ، كانت الزاوية تلعب دورا اجتماعيا و روحيا في نفس الوقت . كان هذا البناء محجا للطريقة التجانية ، و هي تيار من التصوف السني . كما كانت الزاوية تستضيف أيضا مناقشات ” لجماعت ” ، لاتخاذ قرارات حول القضايا التي تهم سكان القصبة .

مسجد قصبة أكادير أوفلا التاريخية بمدينة أكادير
مسجد قصبة أكادير أوفلا التاريخية بمدينة أكادير

صهريج المياه الجوفية

كان توفير الماء مشكلة حاسمة و مصيرية في القصبة . لتلبية احتياجاتهم المنزلية و اليومية ، اعتمد السكان على تقنية إلتقاط المياه المطرية . إستمر هذا النظام حتى عام 1953م الذي يوازي تاريخ تثبيت النافورةالعمومية .

ميناء أكادير

ارتبطت قصبة أكادير أوفلا ارتباطا وثيقا بتطور المينا ، إذ لم يكن هنالك ميناء بالمعنى المعاصر ، بل كان هناك مرفأ ترسو فيه مراكب الملاحة الأجنبية. ، ولم يكن هناك أي ميناء بالمفهوم الحالي ، و مع ذلك ، فإن التجار الأوروبيين كانوا يفدون عليه لمزاولة النشاط التجاري القائم على بضائع بلاد السودات مقابل الاسلحة المهربة .
و كان يشار إليه على الخرائط البحرية القديمة بدقة خلال القرن 16م ، حيث كانت تبين للبحارة أماكن رسو السفن على الساحل الجنوبي المغربي: اذ كان مرسى أكاديريعرف باسم “بورتو مسكينة ” . و هو مرفأ على قدر كبير من الاهمية بالنسبة للحركة التجارية ، فهو منفذ لمنطقة انتاج فلاحي غني ، و استقبال لقوافل التجارية القادمة من بلاد السودان.
كان ميناءا مزدهرا منذ القرن 17م ، و تم إغلاقه في وجه الملاحة إلى حدود القرن 18م لفائدة حاضرة موغادور (الصويرة ) حتى أوائل القرن العشرين ، ثم أصبح ميناء للصيد و التجارة ، مواكبا للانطلاقة الاقتصادية لجهة بكاملها .

المقهى الموريسكي

يعود افتتاح المقهى الموريسكي إلى عام 1935م إذ كان يمثل عامل الجذب الرئيسي للقصبة بفضل تصميمه الموريسكي ، و أجوائه التقليدية ، و مشهده البانورمي للخليج و ميناء أكادير . كل هذه العوامل جعلته مكانا مفضلا للسياح حتى ليلة 29 فبراير 1960م الكئيبة حيث دمر بالكامل .

الحمام التقليدي

كباقي الأحياء الشعبية ، كانت قصبة أكادير أفلا تتوفر على حمام بخار تقليدي متاح لسكان القصبة ، حيث كان مخصصا للنساء نهارا و للرجال مساء حتى يتمكنوا من الوضوء و الاغتسال لتطهير أجسامهم . بقي هذا الحمام ، الذي افتتح في شتاء 1953م ، قائما حتى ليلة زلزال عام 1960م .

الملاح و الكنيس اليهودي

كانت قصبة أكادير أوفلا مكانا للتعايش حيث كان المسلمون و اليهود يعيشون بشكل متناغم . كانت القصبة تضم حيا يهوديا “الملاح” حيث كانت تقيم بعض العائلات الأكثرتأثيرا في سوس ، رحل بعضها إلى مدينة الصويرة بأمر من السلطان العلوي سيدي محمد بن عبد الله ، و عادو إلى أكادير أثناء النمو الاقتصادي للميناء ابان الاستعمار . و كانت القصبة تحتضن مبنى دينيا (الكنيس) للاحتفال بالطقوس اليهودية تحت رعاية الحاخام ، اذ كان الحاخام خليفة مالكا الأكثر شهرة بينهم .بدءا من الأربعينيات ، أصبح الكنيس المتواجد بحي تالبرجت الوجهة الروحية المفضلة للطائفة اليهودية ،نظرا لنموها السكاني الهام .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى